حسن حسني عبد الوهاب

36

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

مندوحة من تقليد أسلافهم في علومهم ، والانتفاع بتجاريبهم ، والاستفادة من خزائن كتبهم الغنية الثرية ، والعمل بوسائلهم في التمدين وتعمير الأرض . وعلى أنقاض العاصمة الفينيقية رفع الرومان " قرطاجنة " جديدة اجتهدوا في جعلها - بعد رومة - ثانية مدائنهم وقرينة لقاعدة ملكهم الواسع ، فازدهت بالمباني والهياكل الضخمة ، وامتد نفوذها السياسي والأدبي إلى مغارب الأرض ، وقد أخرجت البلاد على عهدهم علماء أفذاذا من أبنائها مثل ( يوبا الثاني ) الملك البربري والمؤلف البديع ، ومثل ( أبولى - Apulee ) صاحب التصانيف الفلسفية والقصص الفكاهية وغيرهما . ونستوقفك هنا قليلا وندعوك ألا تجزم بأن جميع ما يشاهد من الآثار العديدة المنبثة في أنحاء التراب التونسي والمنسوبة إلى الرومان هي من محدثاتهم بل إن جلها من عمل أبناء البلاد أنفسهم شيّدوها بسواعدهم وأنفقوا عليها من مالهم وحسبهم أنهم قلدوا الطراز اللاطيني ، وليس للرومان فيها من فضل سوى الزخرف والشكل . وبعد معارك دامية هاجم جنود الوندال الجرمانيون البلاد ، وأزاحوا عنها القوات الرومانية وحلّوا مكانهم ، واستقروا في ربوعها نحو مائة عام ، ولم يكن للحضارة في مداها حظ يذكر سوى ما أظهروه في تغيير المعتقد المسيحي الشائع ، وقد تمسك بنحلتهم جمّ غفير من البربر المقاومين للهيمنة الرومانية ، واشتد بين الفريقين صراع قاست إفريقية من جرائه ألوانا من التخريب والتهديم . وخلف الروم البيزنطيون الوندال في حكم تونس ، وأعادوا النضارة برهة من الزمان إلى ( قرطاجنة ) غير أن الحروب الداخلية والنزعات المذهبية شغلتهم عن الاهتمام بالوعي القومي وتمدين البلاد ، وفي تلك الأثناء قام رجال إفريقيون ناضلوا عن المبادئ الدينية وسعوا جهدهم في محاربة الوثنية وكفاح المقاومين لنشر مبادئ العقيدة ، وفي مقدمة المدافعين المخلصين ( أقشتين - Saint Augustin ) الذي ناضل عن الاعتقاد ورفعه إلى درجة عالية من البحث وقد عرفه علماء العرب وذكره البكري في " مسالكه " .